ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

إسرائيل وهزيمة ألمانيا الفاشية

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
محمد فضل الله
محمد فضل الله
الثلاثاء 19 تشرين الثاني 2024
الخط

ذكرنا في مقالات سابقة أن الولايات المتحدة الأميركية وَجدتْ في يهود ألمانيا بديلاً عن ألمانيا نفسها يمكّنها من الإجابة عن «سؤال ألمانيا» (الذي كان بالنسبة إليها سؤالاً هوياتياً وعلمياً أكاديمياً مركزياً في القرن التاسع عشر) وإخضاعها والاستيلاء على هويتها في آن معاً، ثم عَمّمتْ ذلك ليشكّل يهود أوروبا «أوروبا بديلة خاضعة» (تكون إجابة عن «سؤال أوروبا» السابق). وعملتْ، عبر قسم دراسات الهولوكوست، على إعادة كتابة التاريخ والفلسفة الأوروبيين إذ يكون يهودُها في قلب وأصل هذا الإرث ليصبح تاريخ أوروبا ما هو إلا المحاولات المستمرة لإزاحة اليهود وتغييب أثرهم وصولاً إلى إبادتهم. لا تقوم الولايات المتحدة بذلك حباً باليهود ولكن استخداماً لهم ليكونوا الجهاز الذي يَسمح لها بإخضاع القارة عبر إعادة صياغتها. إضافة إلى الهوس المستجدّ لجعْل سبينوزا أصل الحداثة الغربية ومنحه الأولوية على كانط وغيره، فقد نُشرتْ أخيراً دراسةٌ «اكتَشفتْ» أن كريستوفر كولومبوس كان يهودياً دون أدلة معتبَرة، وسرعان ما ردّ عليها خبراء الجينات ومؤرّخو تلك المرحلة، ولكن الهدف هو وضْع الفكرة في التداول. إغراق أوروبا بالحديث عن «يهوديتها السرّية»، تمهيد لاعتبار أن التشكيك بعلميّة هذه الدراسات المنشورة قد يكون منشؤه العداء للسامية. صحيفة «الغارديان» تَنشر مقالاً يَعتبر أن نشْر صور أطفال غزة الشهداء مردّه العداء للسامية وترديد لخرافات شرب اليهود لدم الأطفال؛ يمكن فهْم أن يَنشر نصاً كهذا موقعٌ إسرائيلي، ولكن أن تَنشر ذلك صحيفة «تقدّمية»، حتى لو نَشرتْ ردوداً عليه، ذلك يَعني أن الهدف هو إعطاء الفكرة مصداقية مبدئية، حداً أدنى من المقبولية، عسى أن يتمّ تطويرها في إحدى زوايا الأقسام الجامعية الأميركية لتصبح علماً يوماً ما («الغارديان» لا تَنشر أي مقال يُمكن أن يُستشفّ منه تسامحٌ مع النضال المسلّح، بالتالي الأمر لا يتعلق بنشْر مختلف الآراء وطرْحها على النقاش المفتوح). مَكّنتْ إستراتيجية استبدال ألمانيا وأوروبا بيهودها الولايات المتحدة من التخلّي عن المسار الصعب لخلق هوية قارية أميركية في القرن التاسع عشر تكون مقابلاً للهوية القارية الأوروبية (كانت أميركا اللاتينية تَعِد نفسها بأنها ستَنعم بالازدهار وتتشارك التقدُّم العلمي مع واشنطن، وبحلول منتصف القرن العشرين أدركتْ أميركا اللاتينية أن واشنطن تخلّتْ عنها ولذلك فإن ولادة اليسار في أميركا اللاتينية كانت ردّ فعل قاري على هذا التخلّي، وولادة الواقعية السحرية في أدب المنطقة كانت ردّ فعل على العلوم التي مُنعتْ عنهم). لا يَعني ذلك أن مسار خلْق هوية قارية أميركية غير ممكن لاحقاً، كل ما هنالك أن ظروفه قد تكون قيد التهيئة ولم تَنضج بعد، وسيكون ذلك بالتأكيد نهايةً لسؤال ألمانيا وأوروبا عموماً (بمعنى بدء القارة مساراً بيزنطياً أو قسطنطينياً طويلاً من الهامشية المتزايدة يَصعب عكسه) وللمشروع الإسرائيلي في الآن معاً، المشروعان محكومان بالمسار نفسه.
لذلك حين نجد أن الإسرائيليين يطبّقون على الفلسطينيين السياسات نفسها التي طَبقها عليهم النازيون قبلاً، فمردّ ذلك ليس سيكولوجياً بل مؤسساتي: إنتاج المعرفة عن إسرائيل مرتبط هيكلياً ومؤسساتياً بإنتاج المعرفة عن ألمانيا (إعادة تشكيلها معرفياً عبر يهودها ويهود أوروبا بشكل عام لاحقاً). فكرة أن الضحية محكومة بتقليد جلادها هي جزء من تفسير السياسة عبر السيكولوجيا اللاتاريخانية، وهي إحدى أسوأ الممارسات الأكاديمية الكسولة، صناعة الأوراق البحثية («انشر أو تَختفي») عبر جمع استسهالي يُسمى ما بين تخصصي. مثلاً، ليس هناك عداء للسامية أو إسلاموفوبيا أو عداء للنساء، هذه العبارات ليست فقط خطأ بل المقصود منها هو إعطاء بُعْد سيكولوجي يُغنينا عن التحليل الهيكلي للظواهر. علينا أن نُبقي في بالنا أن الظواهر هي نتيجة لمؤسسات إنتاج المعرفة (والتوترات السياسية المنهجية في ما بينها) وليس نتيجة «مشاعر» الأفراد. الهوية تُعرَّف بنوع العمل المطلوب من أفرادها أداؤه، ومُنتَج هذا العمل/الأداء (أو العمل باعتباره أداءً) يقع ضمن هرمية تَجعله أكثر أو أقل قيمةً من منتجات أخرى (نحن لسنا سوى العمل المُحال أداؤه)، وبالتالي لليهود وللمسلمين وللنساء في كل حقبة مُنتَج مرتبط بهم، والنضال يكون بالتفاوض حول المنتَج المُحال إلينا والمساواة في قيمتها عبر إعادة هيكلة مؤسسات إنتاج المعرفة ذات السلطة (النضال الأقسامي). وبما أن العمل المُحال إلى إسرائيل هو تفكيك وإعادة تشكيل ألمانيا (ثم أوروبا بشكل عام) فليس لدى إسرائيل سوى الخطابات والممارسات التي تَنتج عن المادة المفكَّكة لتصبح صلب مادتها: مهمة إسرائيل أن تكون نسخة عن ألمانيا القديمة (التي تريد واشنطن مصادرتها، أي بالضبط ألمانيا التي تمّ اختزالها إلى النازية)، ومهمة ألمانيا الحالية أن تكون نقيضاً لألمانيا القديمة (أي هابرماس). ليس علينا أن نخشى أن يقوم الفلسطينيون بتطبيق ما نَفّذتْه إسرائيل بحقهم على شعب آخر. ليس كل الضحايا محكومون سيكولوجياً بتنفيذ ما طُبِّق عليهم قبلاً؛ هم يَفعلون ذلك حصراً حين تكون وظيفتهم الجديدة هي إعادة تشكيل علوم جلاديهم لدى حاضرة إمبريالية جديدة.
من هنا يَبدأ العداء للغة، وكلما أَغرقتْ إسرائيل في فاشيتها تتشابه مع ألمانيا النازية من حيث رفْض الانخراط في الإنتاج اللغوي («انظر إلى يدَيه» يقول هايدغر عن هتلر). ما هو الهدف من الحرب؟ ليس هناك هدف، ليس فقط من أجل عدم التعرُّض للمحاسبة الإعلامية لاحقاً، بل هو عداء فاشي للغة لصالح الفعل، وأولوية للبيولوجيا على السياسة (السياسة باعتبارها معادلة بيولوجية وليس العكس). المسألة التي شغلتْ كثيرين كانت اعتناق النازيين للروح والتكنولوجيا في آن معاً (آلة تَملك روحاً بحسب ما تصوّر الأميركيون المعجبون بالفاشية الإيطالية)، ولكن المسألة الأعقد باعتقادي هي دمجهم بين التاريخانية والبيولوجياتية المعادية للسياسة واللغة في آن. هايدغر الذي قال «اللغة بيت الكينونة» و«الكينونة تتكشّف بشكل مختلف في حقبات مختلفة» كيف يمكن اتساقه مع القاموس الزاخر بالحتموية البيولوجياتية للنازيين (التي تَستخدمها إسرائيل اليوم من الليبنسراوم - المجال الحيوي- إلى الإبادة العنصرية)؟ يمكن تحليل ذلك عبر التوزيع الأقسامي وليس مجرد التناقض المفهومي، المؤسسات هي التي تتناقض وليس الأفكار المجردة. التوتر بين الفلسفي والسياسي أو عدم ارتباطهما بالحدّ الأدنى في ألمانيا، فلسفة لا-سياسية بطريقة مختلفة منهجياً عن الفلسفة الأنغلو-تحليلية، منذ جيرمان دي ستايل التي اعتَبرتْ أواخر القرن الثامن عشر أن الألمان يتفلسفون لأنهم يجدون أنه لا يمكنهم التغيير في السياسة، وصولاً إلى هايدغر في نقده لماركس وحتى حنة آرندت. قسم العلوم السياسية في ألمانيا لم يصبح قسماً مكتملاً إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، والمعرفة ذات السلطة حول السياسة كان يُنتِجها الباحثون في قسم التاريخ المعاصر، وكان يُتوقَّع من المواطن الألماني ألا يتدخل في العمل السياسي لأنه ليس خبيراً في هذا المجال (السياسة هي مجال الخبراء، أي باحثي قسم التاريخ المعاصر، وليست مجال العامة من الناس).
يَعتقد نتنياهو أن عدم إيضاح الأهداف من الحرب يحرّره من تبعات اللغة ليتفرّغ لأوهامه البيولوجاتية حول الليبنسراوم، إلا أن اللغة غالباً ما تترك «الكلمة» الأخيرة لها. عدم الإيمان بالسياسة وديناميات اللغة يؤدي إلى فقدانك معيار الهزيمة والنصر وهما مفهومان لغويان سياسيان لا يمكن احتواؤهما بيولوجياً (رغم أنهما مفهومان تقليديان جداً ويُفترَض أن نتمكّن عبر «الدراسات العسكرية النقدية» أن نتجاوزهما نحو مفاهيم جديدة). المسألة لا تُختزَل إلى فكرة «الضياع» كما يَعتبر البعض، بل هي في تعطيل بعض المفاهيم السياسية عبر إعادة تشكيل الهيراركية (التراتبية) بين مؤسسات إنتاج المعرفة (ومن ضمنها المعرفة السياسية). المعرفة السياسية دائماً موجودة، لكن ترابطاتها داخل الهيراركية هي تحدّد متى تَعمل على مستوى القرار السياسي وما لا تَعمل (سنتطرّق في مقالات لاحقة إلى بعض الآليات الإمبريالية في تفعيل وتعطيل المفاهيم).
لكن علينا أن نُشير إلى أن ما نراه اليوم من تمنُّع إسرائيل عن الإفصاح عن أهدافها وعن الاعتراف بالخسائر، أكان في الهجوم الإيراني أو في ما يُسمى العملية البرية في لبنان، لم يَبدأ مع إسرائيل بل مع الولايات المتحدة: عدم ذكر أن الجيش الأميركي منخرط في حروب في الخارج (حروب دون اسمها)، هكذا يَختفي الأثر السياسي للحروب (الذي رأيناه في عهد جورج بوش الابن)، وبَدأ ذلك مع باراك أوباما (الديموقراطي التقدمي)، وكان خطاب الأتمتة ونزع الأنسنة عن الروبوتات والدرونز (مَنْ الذي قَتَل عشرين شخصاً في عرس في اليمن؟ لا نَعلم، إنها الألغوريثمات والدرونز، الفانتازيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي الهدف منها فعلياً هو تجهيل الفاعل السياسي لتصبح مطواعة في يد الإمبريالية، وهو ما سَمَح بدايةً بتجهيل القصف عبر الدرونز خلال حقبة أوباما، ثم كانت الخطوة الطبيعية التالية هي نفي ترامب أن يكون هناك أي إصابات في الهجوم الإيراني على قاعدة عين أسد (ليتكشّف لاحقاً أن هناك مئة إصابة، بدأ الإعلان عنهم تدريجياً)، ثم بدأ تهميش اللغة ونفي السياسة في السياسة يصبح منهجاً أميركياً رسمياً قبل أن يصبح إسرائيلياً اليوم.
المسعى إلى إسكات اللغة هو خطاب بيولوجي أنتي-سياسي، والفاشية ليست مشروعاً سياسياً بذاتها، بل هي تَقوم على أنقاض مشروع سياسي فَشِل قبلاً، ولذلك لا يمكنها الاستدامة. لقد أرادتْ الولايات المتحدة لإسرائيل أن تكون ألمانيا صغيرة بديلة، وسيكون لها ذلك وستلقى المصير نفسه. ليست ستالينغراد بالتحديد هي التي هَزمتْ ألمانيا النازية، بل إن الأخيرة كانت ستبقى في حالة حرب حتى تصطدم بستالينغراد ما، أكانت تلك السوفياتية أو غيرها. وهذا هو الحال مع إسرائيل في طورها الفاشي الأكثر وضوحاً، ستبقى في حالة حرب حتى تصطدم بستالينغراد ما. سيكون من اللافت أن يكون السفارديم (كتلة الفاشية الأكبر) سبب زوال إسرائيل، وهم الذين أُلحقوا إلحاقاً بالمشروع الإسرائيلي، ولم يكونوا جزءاً من تأسيس الدولة.
* باحث

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك